المقداد السيوري

177

كنز العرفان في فقه القرآن

وقيل : فعل ذكر إكراما لولده فإنه قال أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك وتنزل إلى قبره ولا تشمت بي الأعداء وفي بعض الروايات أنه صلى عليه فقال له عمر : أتصلي على عدو الله ؟ فقال له وما يدريك ما قلت فإني قلت : اللهم أحش قبره نارا وسلط عليه الحيات والعقارب ( 1 ) .

--> ( 1 ) ترى الروايات في الدر المنثور ج 3 ص 266 ، مجمع البيان ج 5 ص 57 وفي الاستيعاب والإصابة ترجمة عبد الله ابنه ج 2 ص 327 . ومن ذلك ما في الدر المنثور قال : أخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال : لقد أصبت في الاسلام هفوة ما أصبت مثلها قط أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلى على عبد الله بن أبي فأخذت بثوبه فقلت : والله ما أمرك الله بهذا . لقد قال رسول الله : « استغفر لهم أولا تستغفر لهم أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم » فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قد خيرني ربي فقال « استغفر لهم أولا تستغفر لهم » فقعد رسول الله صلى الله عليه وآله على شفير القبر فجعل الناس يقولون لابنه : يا حباب افعل كذا يا حباب أفعل كذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله الحباب اسم شيطان أنت عبد الله . وفيه أخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس إن عبد الله ابن أبي قال له أبوه : اطلب لي ثوبا من ثياب النبي صلى الله عليه وآله فكفني فيه ومره أن يصلى على قال فأتاه فقال : يا رسول الله قد عرفت شرف عبد الله وهو يطلب إليك ثوبا من ثيابك نكفنه فيه وتصلى عليه فقال عمر يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ؟ فقال وأين ؟ فقال : استغفر لهم أولا تستغفر لهم أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم . قال فإني سأزيد على سبعين فانزل الله : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية قال فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك وأنزل الله : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم . وها هنا كلام للعلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان ج 9 ذيل الآية الشريفة ننقلها لمزيد الفائدة : قال مد ظله بعد سرد الروايات في ذلك : وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض فيما بينها ، يدفعها الآيات الكريمة دفعا بينا لا مرية فيه : أما أولا فلظهور قوله تعالى : استغفر لهم أولا تستغفر لهم أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم . ظهورا بينا في أن المراد بالآية بيان لغوية الاستغفار للمنافقين دون التخيير ، وأن العدد جيئ به لمبالغة الكثرة لا لخصوصية في السبعين بحيث ترجى المغفرة مع الزائد على السبعين . والنبي صلى الله عليه وآله أجل من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل الآية على التخيير ثم يقول سأزيد على سبعين ثم يذكره غيره بمعنى الآية فيصر على جهله حتى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية أخرى ينزلها عليه . على أن جميع هذه الآيات المتعرضة للاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم كقوله : استغفر لهم أولا تستغفر لهم وقوله : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وقوله : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا . تعلل النهى واللغوية بكفرهم وفسقهم حتى قوله تعالى في النهي عن الاستغفار للمشركين : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ( الآية 113 من السورة ) ينهى عن الاستغفار معللا ذلك بالكفر وخلود النار وكيف يتصور مع ذلك جواز الاستغفار لهم والصلاة عليهم ؟ وثانيا أن سياق الآيات التي منها قوله « ولا تصل على أحد منهم مات أبدا » الآية صريح في أن هذه الآية إنما نزلت والنبي في سفره إلى تبوك ولما يرجع إلى المدينة وذاك في سنة ثمان وقد وقع موت عبد الله بن أبي بالمدينة سنة تسع من الهجرة كل ذلك مسلم من طريق النقل . فما معنى قوله في هذه الروايات ان النبي صلى الله عليه وآله صلى على عبد الله وقام على قبره ثم أنزل الله عليه ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ، الآية ؟ وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم والآية من سورة المنافقون وقد نزلت بعد غزاة بني المصطلق وكانت في سنة خمس وعبد الله بن أبي حي عندئذ وقد حكى في السورة قوله : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلق به بعض من انتصر لها على أن النبي صلى الله عليه وآله وكيف يستقيم وصلى على عبد الله ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام وكيف يستقيم ذلك ؟ وكيف يصلح أن يخالف النبي صلى الله عليه وآله النص الصريح من الآيات استمالة القلوب المنافقين ومداهنة معهم ؟ وقد هدده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله « إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة » الآية . ( أسرى - 75 ) فالوجه أن هذه الروايات موضوعة يجب طرحها لمخالفة الكتاب .